الراغب الأصفهاني
299
الذريعة إلى مكارم الشريعة
التواضع والكبر التواضع اشتقاقه من الضعة وهو رضا الإنسان بمنزلة دون ما يستحقه فضله ومنزلته . وفضيلته لا تكاد تظهر في أفناء الناس « 1 » لانحطاط درجتهم وإنما ذلك يتبين في الملوك وأجلّاء الناس وعلمائهم وهو من باب التفضل لأنه ترك بعض حقه . وهو من التوسط بين الكبر والضعة ، والضعة : وضع الإنسان نفسه مكانا يزرى به بتضييع حقه ، والكبر : رفع نفسه فوق قدره . والفرق بين التواضع والخشوع أن التواضع يقال فيما بين رفيع ووضيع وأيضا فالتواضع يعتبر بالأخلاق والأفعال الظاهرة والباطنة . والخشوع يقال باعتبار أفعال الجوارح ولذلك قيل إذا تواضع القلب خشعت الجوارح ، وقال تعالى : خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ « 2 » وقال : وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ « 3 » وقد عظم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم التواضع ومدحه فقال : « طوبى لمن تواضع في غير منقصه وذل في نفسه من غير مسكنه » « 4 » وقد قيل لبزرجمهر « * * » هل تعرف نعمة لا يحسد صاحبها عليها وبلاء لا يرحم صاحبه عليه ؟ فقال : نعم أما النعمة فالتواضع وأما البلاء فالكبر . وقال بعض الحكماء : وجدنا التواضع مع الجهل والبخل أحمد عند الحكماء من الكبر مع الأدب والسخاء فأنبل بحسنة غطت على سيئتين وأقبح بسيئة غطت على حسنتين . فالكبر هو ظن الإنسان بنفسه أنه أكبر من غيره والتكبر إظهار لذلك وهذه صفة لا يستحقها إلا اللّه تعالى ، ومن ادعاها
--> ( 1 ) يقال هم من أفناء الناس لا يدري من أي قبيلة هم . المعجم الوسيط / 2 / 711 . ( 2 ) القلم 43 . ( 3 ) طه / 108 . ( 4 ) رواه البخاري في التاريخ ، والبغوي وابن قانع وغيرهم ، ورمز السيوطي لحسنه ، واعترضه المناوي فقال : وليس بحسن كما قال الذهبي . وقال في الإصابة : حديث سنده ضعيف . كشف الخفاء / 2 / 45 حديث / 1667 . ( * * ) بزرجمهر بن يختكان المروي كان وزيرا للملك الساساني أنوشروان ، تنسب الأساطير له حكما كثيراة . دائرة المعارف الإسلامية / 3 / 616 .